ابن عطاء الله السكندري

118

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

وقد تردد العلماء في ناذر المشي إلى المدينة أو بيت المقدس للصلاة هل يلزمه المشي أو لا يلزمه ؟ وإنما يلزمه إيقاع الصلاة في الموضعين لترددهم في أن المشي عبادة أم لا ؟ والصحيح عندنا أن المشي لا يلزم إذ ليس يدل على طلب المشي دليل في الشريعة وقال ابن وهب يلزم وقاسه على المشي إلى مكة . ونحن نرى أن الفرع لا يساوى الأصل فإنه قد ثبت للكعبة خصوصية تشريف من جهة وجوب الطواف بها . وقد جاء أمر في ناذر المشي إلى بيت اللّه أنه يلزمه « 1 » وإذا ثبت للأصل مزية تشريف امتنع إلحاق الفرع به هذا مع أنه وسيلة لعبادة وقد وجد له نظير مطلوب فما الظن بترك مباح لم يطلب ولا توسل به لطاعة ولا وجد له نظير مطلوب والمقصود أن تعذيب الناس بترك الشهوات ليس بطاعة إذا لم يتعلق بذلك طلب . وقد كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل ويأكل اللحم وكان يخص بالذراع وكانت تعجبه وكان يستعذب له الماء وينقع له الزبيب والتمر ويتطيب بالمسك والأصل الذي قدمناه يبين ذلك فإنه لو نذر ترك الطيبات والتزام الخشونات لم يلزمه على حال . فتبين أن هذا كله ليس مطلوبا في الشريعة فلا ثواب في الترك ولا يتعلق به ورع مطلوب ، وفي الحديث أن رجلا نذر أن يصوم قائما لا يستظل فأمره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يجلس وأن يستظل ويتم صومه ، أمره أن يتم ما كان للّه طاعة وأن يترك ما كان ليس بطاعة . وقد قال مالك رحمه اللّه أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمر أن يتم ما كان للّه طاعة ويترك ما كان للّه معصية « 2 » . وقد روى هذا الحديث من وجوه كثيرة « 3 » رواه جابر وابن عباس ومن حديث قيس ابن أبي حازم عن أبيه ، ومن حديث طاووس عن أبي إسرائيل . وهذا الناذر قد نذر السكوت وهو ترك الكلام المباح وليس بطاعة وكذلك قيامه في الشمس من باب العذاب الذي لم يؤمر به العباد ، وكذلك كل ما ينذره العبد مما ليس بطاعة للّه وإنما الطاعة فيما أمر العباد بعمله . وقد قال مالك رحمه اللّه في معنى قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من نذر أن

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 3 / 1264 ) ، وأبو داود ( 3299 ) . ( 2 ) في الموطأ ( 2 / 29 ) . ( 3 ) رواه الطبراني في الأوسط ( 4 / 187 مجمع ) . وعبد الرزاق في المصنف ( 8 / 436 ) ، وأحمد في المسند ( 4 / 168 ) ، والبيهقي في السنن الكبرى ( 10 / 75 ) ، والطبراني في الكبير ( 4 / 188 مجمع ) ، وأبو داود ( 4822 ) .